الأسباب المقنعة وغير المقنعة للاستدارة الجعجعية


التاريخ : 21-1-2016 | مشاهدة: 4524


ما حدث ليل الإثنين الواقع بتاريخ 18 كانون الثاني 2016 من مشهدية في معراب، والتي استحوذت على اهتمام معظم اللبنانيين، بل وجميع المهتمين بالشأن اللبناني من كل أقطار العالم، حيث ضجت الصحف اللبنانية المحلية، والصحف الأجنبية الإقليمية والدولية بهذا الحدث، معنونة "ترشيح جعجع لعون".

 

ومن أغرب ما سمعناه وما قرأناه في هذا السياق "جعجع يحتضن عون"، واعتبار أن هذا الترشيح انقلاب مسيحي، حيث قالت ميشال تويني :"مبروك لسمير جعجع"، واضعة ما حصل في سياق المصالحة التاريخية.
كما تمنت تويني لو أن "هذه المصالحة التاريخية" حصلت منذ زمن طويل، مشددة أن الحكيم (سمير جعجع) هو الرابح الأكبر في كل ما حصل.
أما البعض الآخر فقد ذهب أبعد من هذا التوصيف، مبالغا بالوصف، حتى وصل به الأمر للتهجم على الآخرين وإفراغ ما في نفسه من غل وكراهية.
الحقيقة وبدون مبالغة، إن ما حصل في معراب في تلك الليلة الماطرة، لا يستحق هذا الاهتمام المفرط لأنه حصل في سياق طبيعي، تم الإعداد له بتأنٍ كبير، بدأ مع إعلان النوايا في 2 حزيران من العام 2012، وانتهى بترشيج جعجع لعون في معراب.
العاقل هو من يبارك المصالحة بين القوات والعونيين، خاصة وأن "حرب الإلغاء" التي وقعت بين العامين 1988 و1989 كانت بين القوات والجيش اللبناني، الذي اعتبر ما حصل أزمة عابرة، وهذا ما عبر عنه العميد المتقاعد من الجيش جورج نادر ونخبة من رفاقه، قبل لقاء معراب الأخير، حيث قال نادر في لقاء له مع نخبة قواتية "نحن نسامح".
وما كان نادر ليقول هذا الكلام لولا أن قيادة الجيش اللبناني كانت قد سامحت وتسامحت، وهذا ما يعرفه الحكيم وستريدا جعجع بالتحديد.
الناظر المتمعن بما حصل في معراب، يعرف أن هناك أسبابا عديدة مقنعة أدت لهذه الاستدارة الجعجعية، أهمها :
ـ إستشعار سمير جعجع حتمية انهيار قوى 14 آذار.
ـ قراءة الحكيم ودراسته المتأنية للمحيط، وتلقيه إشارات كلها تصب في بقاء الأسد في السلطة، ومن هذه الإشارات التدخل الروسي في سوريا والاتفاق الروسي ـ الأمريكي على هذا البقاء.
ـ إدراك جعجع أن ورقة الرئاسة في لبنان ـ وهذا ضمن الاتفاق نفسه ـ هي بيد الأسد، وأن الموافقة الأمريكية المبدأية لوصول عون لكرسي الرئاسة، متوفرة وموجودة.
أما الأسباب غير المقنعة لهذه الاستدارة الجعجعة، فأيضا عديدة، أهمها :
ـ سعي جعجع لتوجيه رسالة للرئيس الحريري وتيار المستقبل، كرد فعل على ترشيح سليمان فرنجية، دون الرجوع للحليف (القوات)، فالمسيحيون هم من يرشحون ويتفقون على مرشح لهم.
هذا ويعتقد كثير من السذج أن ما قام به سمير جعجع في معراب، هو عملية هروب الى الأمام، دفعه إليها سعد الحريري، ولكن الصحيح أن وراء الإثنين راع واحد، وترشيح عون لا يختلف عن ترشيح جعجع وإن ظهرت تباينات في التفاصيل.
تباينات لا تنسف الإتفاق الموجود حول جعل الرئاسة حصريا بين قادة 8 آذار، والخاسر لم يحدد بعد، فلا فائز أصلا في هذا الأمر وهذا ما يدركه العقلاء.
واللافت في الأمر أيضا، أن الحكيم وعون ومن يدور في فلكهما، لا تفوتهم مناسبة إلا تعرضوا زورا وبهتانا للوضع الأمني في لبنان، واصفين إياه بأنه ضعيف وهش، وكأنه السبب للإفلاس السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي...والسبب في الأزمات التي يعيشها لبنان من أزمة النفايات وصولا للسرقات والفساد.
يجب أن يعلم هؤلاء أن أمن لبنان بألف خير، بشهادة القاصي والداني، القريب والبعيد، محليا وإقليميا ودوليا، إلا إن كان الصدق ونقيضه قد امتزجا عند المشككين بمتانة أوضاع لبنان الأمنية.
وهؤلاء أنفسهم يعلمون أن لبنان ليس جزيرة معزولة، بل هو في عين العاصفة، فلو أجريت مقارنة عادلة مع دول أخرى لتبين لهم كم أن لبنان أفضل من غيره بأشواط وأشواط.
ولنعلم أنه لن يعود الحق حقا، والباطل باطلا إلا إذا أقر الجميع بحقيقة الأمر، وهو أن الأمن ممسوك ومتين في لبنان، بفضل الجيش والقوى الأمنية، وأن يكون للحكماء كلمة الفصل في تحديد من هو الرئيس الذي بفضلع تتم أعراس لبنان واحتفالاته، وما احتفالية معراب الأخيرة إلا واحدة منها.
 
ـ ربيع سلامة ـ 
 


متفرقات