القدس والميلاد الجديد


التاريخ : 7-4-2017 | مشاهدة: 15474


محمد أبو جزر*

 

توسطت القدس العالم حينما جذبت اهتمامه نحوها وشدّت إليها القلوب بعدما تشكلت مكانتها الدينية وترسّمت أهميتها الروحية , حيث شهدت على مدار التاريخ حياة أمم كثيرة وتصارعت عليها أعظم الحضارات البشرية التي اعتلت كرسي سيادة العالم بعد بسط السيطرة عليها , فلقد نقشت الكثير من الشخصيات على أسوار القدس أسماءها , وبين صفحات تاريخها الطويل خلّدت حضورها , هناك من كان وجودهم في القدس لعنة وهناك من شكّل وجودهم منعطفا فتح الطريق لحقبة خالدة لازلنا نتدارس عظمتها ليومنا هذا.


كثيرا ما يكون للمكان انعكاس على الإنسان , حيث تؤثر بعض خصائصه على شخصية الإنسان وبنائه الذاتي وطموحاته في الحياة " قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ " فحينما يكتسي المكان حُلّة القداسة الربانية فإن ذلك يُغري القلوب المؤمنة للعمل في سبيل المحافظة على بهاء قداستها ورونقها التاريخي " رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ " , لذلك تشكلت المراحل المهمة لمدينة القدس حينما لامست قداستها القلوب فتحرّك نبض الحلم بتحريرها ليَضخّ في الروح دماء الجهاد لأجلها ويمضي بها المرء على بصيرة ليُعلن عن ميلاد مرحلة جديدة تكون فيها القدس هي محرك الحضارة على هذه الأرض ومحورها.


وفي بعض الأحيان قد يكون المكان انعكاسا للإنسان و عمله "والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين" حيث كان ارتباط هذه الأماكن بجوانب من سيرة  ثلاثة من أولي العزم من الرسل سببا يقسم الله لأجله , لذلك لا يمكن تجاهل علاقة الإنسان بالمكان وبخاصة عندما يحتوي ذلك المكان قداسة تميزه عن سائر الأماكن على هذه الأرض مما يضاعف شدّة انجذاب القلوب ناحيته وتعلّقهم بزيارته.

وفي القرآن نجد أن الله اختار لنا من بين الآلاف الذين عاشوا في مدينة القدس امرأة ليتحدث لنا عن جانب من جوانب سيرتها وحدث كان له الأثر الكبير لتغيير واقع القدس بل مستقبل العالم كله في ذلك الوقت , تلك المرأة هي امرأة عمران " إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " فبعض الوقائع التاريخية حتى نستوعب دروسها يجب أن نضعها في السياق الزماني والمكاني الذي وقعت فيه , وامرأة عمران كانت تعيش في القدس التي داعبت بأشعّة قداستها روح تلك المرأة لتبصر الحلم الذي طالما راودها بخدمة هذه المدينة فما وَجدت غير ذلك الجنين الذي طال انتظارها له لتجعله في خدمتها , كان اعتقادها محصورا في أن يخرج الله من رحمها ولدا لتجعله في خدمة تلك المدينة والدعوة فيها , إلا أن الأقدار فاجأتها بما يخالف رغبتها "فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ".


إلاأن الغالب على النفس البشرية الاستسلام للإحباط حينما تفاجأ بما يخالف رغبتها فيتلاشى الحلم وتضعف العزيمة وتتوقف المبادرة , لكن امرأة عمران ازدادت بالحلم تمسّكا وكأنّ الله أرخى على روحها من نور البركة المحيطة بالمسجد الأقصى والقدس بكل أحيائها " فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ " هنا تسلل الأمل من جديد لقلب زكريا وكأنّ حلم امرأة عمران انتقل إلى روحه حتى فاضت دعواته للسماء تسأل الله حلما قديما جعله طول الأمد يتلاشى حتى جاء الذي بعثه من جديد " هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖإِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ".


هكذا حينما تتوطد العلاقة بين الإنسان وبيت المقدس ليربط بها حياته ويرسم بين أسوارها أحلامه فإنها تتسع أكثر مما يتخيل تماما مثلما اتسع حلم امرأة عمران ليهبها الله امرأة من أعظم نساء العالمين ويكون من نسلها بعد ذلك رجل من أعظم رجالات التاريخ " المسيح عيسى " وتزداد بركتها عطاءا حينما رزق الله زكريا برجل من أعظم الرجال " النبي يحيى " صلوات الله عليهم جميعا وسلامه عليه إلى يوم الدين وكلهم زادوا للقدس نورا وعظمة وقداسة.
  

لذلك قد تكون الحكمة من حصر القداسة في أماكن بعينها والتي من بينها القدس هي غرس محفز يساهم في بناء شخصية المسلم ويزيد من تكوينه الروحي , ولما يشكله التمسك بها من باعث يحرك الإصرار لكسر التحديات التي تواجه الأمة من حولها "وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً " فإذا كانت مكة هي قبلة الشعائر والعبادات , فالقدس هي قبلة الجهاد والثبات " "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: "بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ" فالتمسك بالقدس ليس ترفا , لكنه ميلاد الأمة من جديد.


*عضو في المكتب الثقافي لرابطة شباب لأجل القدس العالمية 



متفرقات