تركيا... لماذا هي القلعة الأخيرة ؟


التاريخ : 30-4-2017 | مشاهدة: 15806


 

محمود حج علي | TurkeyNews2023

 

في ظل تعاظم فكرة الثورات العربية في الشرق الأوسط بدا واضحا الارتباط الوثيق بين الحكومات العربية عموما أو الحكومات الديكتاتورية، بحكومات ما زالت محتلة لعقولها حتى وإن لم يكن احتلالا تقليديا لأراضيها. 


جاءت الثورات لتكشف عورات الحكومات العميلة التي فضلت البقاء في السلطة، حتى وإن كلف الأمر حياة شعوبها واستقرارها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.


ومع بداية النصف الثاني من القرن الماضي حاول فيها الاستعمار خلق أنظمة عميلة تتبع له بقراراتها السيادية عمليا حتى وإن ظهر خلاف ذلك، أما في البلدان التي لم يستطع الاستعمار، حتى الآن، خلق أنظمة تابعة لها فيها، إلا أنه عمل على خلق أشخاص يتبعونه بالقرارات السيادية والتنفيذية، ومع مرور الوقت أصبحت هذه اللعبة شبه معلومة لأعيان الشعب الذين فجروا ثورات اجتاحت أهم البلاد العربية إقليميا وحتى تاريخيا.


إن الدول المستعمرة والتي تتمثل بأوروبا والغرب عموما استطاعت بفلول أنظمتها المنقلب عليها، زرع صور جديدة تكمل مسيرة مخططاتها، حتى وإن بدت أنها مستمرة ومستقرة فهم يعلمون جيدا أنها أنظمة صورية تسير أعمالها في المنطقة وكأنها "موظف متقن".


أما على الضفة الأخرى فبدأت في السنوات الأخيرة بوادر خلاف عميقة بين بعض الدول الأوروبية، الأمر الذي أدى إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الذي يعتبر هو صمام الأمان للقوى الغربية في سيطرتها على الشرق الأوسط ، فقوة ارتباط الدول الغربية ببعضها مرتبط طردا بقوة ارتباطها بدول الشرق الأوسط، فعندما كانت دول أوروبا تفتك ببعضها أثناء الحرب العالمية الأولى والثانية وخروج الاحتلال من الشرق الأوسط كان القرار العربي أكثر سياديا وأكثر تحررا.


لقد ساعد استمرار الحروب في الشرق الأوسط خلال نصف القرن الأخير على تقوية حاكمية الدول الغربية لدول الشرق الأوسط، لكن اليوم ومع تفجر الثورات العربية بدأ يتفلت الأمر من قبضتهم وبالأخص بعد تراجع أوروبا كحاكم على الشرق الأوسط وتركيا، تركيا التي كانت لفترة طويلة ذات تأثير ضئيل على الساحة الدولية والساحة الإقليمية ما جعل قبضة الغرب فيها قوية.


أما اليوم وبعد استقلال قرار تركيا السيادي والاقتصادي والسياسي بالتوازي مع الثورات العربية، جعل مهمة الغرب أصعب بكثير، فبدأت تبحث عن طرق جديدة من  أجل إبقاء السيطرة على الشرق الأوسط، لذلك باعتقادي أن محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في 15 تموز 2016 لم تكن تستهدف تركيا فقط كقوة مضادة للغرب إنما كانت تستهدف مشروعا جديدا يبدأ من تركيا وينتهي بأفريقيا، فهم يدركون تماما أن وحدة العرب والأتراك تحت ظل قيادة واحدة سيخلق منهم قوة عظمى لا تنتهي نتائجها ربما بمئات السنين، وأدرك تمام فيما لو أن الانقلاب الفاشل تسن له النجاح - لا قدر الله - ستنتهي الحرب في سوريا بعد وقت قصير لاعتبارات كثيرة لا يتسع الوقت لذكرها الآن.


ولنفس السبب يقوم طيران النظام السوري والروسي والغربي بإنهاك سوريا والعراق بحجة الإرهاب، في حال حتى وإن استطاعت تركيا السيطرة عليهما والاستفادة من خيراتها كقوة في المنطقة بالتوازي مع التراجع الغربي، فإنها ستجد بلادا فقيرة قد أنهكتها الحروب وعم الفقر فيها وانتشرت فيها الأوبئة والأمراض، ما يصعب المهمة على تركيا أو استعادة تركيا سيادتها للمنطقة أو حتى نهوض دول الشرق الأوسط باعتمادها على قوة حليفة مثل تركيا في استعادة قوتها.


وبالعودة إلى ارتباط حكومات الشرق الأوسط بالغرب ارتباطا شخصيا ومع تحول الحكم إلى الرعيل الثاني، فإن ارتباط الرعيل الثاني هو أقل وثوقا من أسلافهم لذلك ربما سنشهد تحولا لتحالفات ثنائية إقليمية، فمصر ستبحث عن حليف إقليمي قوي حتى وإن كانت بعيدة في الرؤى، وقطر تبحث عن حليف لها أيضا، والأردن يبحث عن حليف، لكن وإن تحققت هذه التحالفات فإنها ستكون تحالفات مؤقتة لأن بناءها لم يكن على أسس وركائز اجتماعية وتاريخية ودينية ترتكز عليها في بناء وحدة الشعوب، لذلك ستعود إلى سابق عهدها بعد عهد قريب ولن تستمر وسيكون فك ارتباطها خلال 15 الى 20 عاما في أحسن حالاتها.


إن الشعوب العربية تتطلع اليوم إلى تركيا وكأنها القلعة الأخيرة التي يتحصنون بها ضد الاحتلال والاستبداد في بلادهم، ويعلق الجميع آماله على تركيا، لأنه لطالما وجدت هذه الشعوب متنفسها في الأراضي التركية.


تركيا، تاريخيا ودينيا واجتماعيا في خندق واحد مع هذه الشعوب، فعدو الاثنين لن يكن صديقا يوما.



متفرقات