التحريض على تركيا في الإعلام العربي


التاريخ : 30-6-2017 | مشاهدة: 6508


د. ياسين أقطاي | النائب عن حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي

ترجمة: أ. زينة فرحو العمري


مع انتهاء شهر رمضان المبارك، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، عشنا أيام عيد الفطر السعيد والحمد لله.

ومن خصوصية هذا الشهر الكريم أن الله تبارك وتعالى فرض علينا صيامه؛ متميزين بذلك عن باقي الأمم التي سبقتنا.

ولهذا الشهر العظيم عبادات خاصة تلفت أنظار الجميع في مختلف أنحاء العالم، فالصيام له وظائف متعددة؛ منها أنه يوحد تلقائيا ويدمج بين الأجيال البشرية والأجناس والجماعات والعشائر والأمم.

وعلى الرغم من هذه الوظيفة، إلا أن حالة العالم الإسلامي اليوم، بعيدة كل البعد عن الاستمتاع والفرح.

والناظر لما يفعله أبناء الدين الواحد بين بعضهم البعض في سوريا والعراق وليبيا واليمن ومصر، على الرغم من حرمة الدم في الإسلام، الذي جعلنا أخوة وأخوات في الدين عندما وقت كنا أعداء.

إن الأخوة تعد نعمة كاملة من الله عز وجل أكرمنا بها، فكيف وصلت الأمور بيننا إلى هذا الحد ؟! سؤال يتبادر إلى الأذهان لا يمكن لأي منا إنكار صوابية سؤاله وأحقية معرفة جوابه.

وبطبيعة الحال، فإننا لا نتجاهل حقيقة أن الوصاية الامبريالية - المستمرة على العالم الإسلامي منذ قرن من الزمن - اتخذت كل اجراءاتها لمنع تشكيل عالم إسلامي موحّد. 

وقد اتخذت جميع التدابير للحيلولة دون إصلاح العالم الإسلامي، بوصفه قوة سياسية، إذ يجري تنقيح وإعادة مراجعة اهذه الأساليب والتدابير باستمرار، وهذا ما بدا واضحًا في الثورات المضادة التي قطعت الربيع العربي، في وقت كان زمن الإصلاح يحل شيئا فشيئا.

ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه التدابير التي اتخذت خلال القرن الماضي، فإنه يوجد اليوم عالم إسلامي بالفعل، ولهذا العالم عناصر فاعلة قوية تحتاج إلى تحمل المسؤولية.

إن العالم الحالي ليس كما كان عليه قبل قرن، أو حتى كما كان قبل 30 عاما، فالمجتمعات التي تشكل العالم الإسلامي، ليست جماعات جاهلة لمحيطها الذي تعيش فيه.

ومن أهم مطالب هذه المجتمعات الواعية، تقيّد حكومات بلادهم بفكرة الانتماء للعالم الإسلامي وعدم الانسلاخ عنه، وبالطبع لا يمكن لهذه الحكومات أن تقاوم هذه المطالب بعد الآن.

وخلال القرن الماضي، كانت الدعاية التي جعلت العرب والأتراك يكرهون بعضهم البعض، والتي قسمت ودمرت العالم الإسلامي، كانت تدار بانتظام من قبل الامبرياليين، ولأن الوحدة بين العرب والأتراك هي الشرط الأساسي لتشكيل عالم إسلامي قوي، فإن السبيل لمنع هذه الوحدة هو خلق العداء أو الكراهية أو على الأقل خلق عدم ألفة بينهم.

ومنذ اندلاع أزمة الخليج، حرصت تركيا بشكل خاص على منع تحول هذه المسألة إلى موقف يخاصم المملكة العربية السعودية، في الوقت الذي تحاول فيه إيجاد حلول لها تعيد المياه لمجاريها بين قطر والدول الأخرى.

هذه هي الطريقة التي ينبغي أن تتم فيها إدارة ومعالجة الأمور، والحقيقة أن المملكة العربية السعودية تختلف اليوم مع تركيا في العديد من سياساتها، ومع ذلك فإن هذا الاختلاف في المنظور السياسي والنهج لا يغير من حقيقة أن السعودية وتركيا، في واقع الأمر يتشاطران نفس القدر والأهمية في العالم الاسلامي.

لذلك، فإن الاختلاف في الرأي بينهما لا ينبغي أن يؤدي إلى عداء وانفصال في قنوات التواصل. 

وعلى الرغم من أن تركيا تدعم قطر في هذه الأزمة، فإنها تتجنب الخطاب الذي يمكن أن يسيء للمملكة العربية السعودية.

وتتجلى اللباقة التركية في وسائل الإعلام إذ أنه على الرغم من الأزمة، إلا أنه لم ينشر أو يبث ضد المملكة العربية السعودية إلا القليل القليل.

وهنا يجب على الإدارة السعودية أن تقوم بتقييم هذا الأمر بدقة وأسبابه، إلا أنه لمن المؤسف أن وسائل الإعلام السعودية لا تسير على نفس النهج التركي، فمنذ أن بدأت الأزمة، ووسائل الإعلام شبه الرسمية في السعودية، تهاجم الموقف التركي بتقييم ظالم، بل وافتراء. 

وقد تحولت الحملة ضد قطر فجأة إلى حملة ضد تركيا أيضاً ! وقد قام الإعلام السعودي بإثارة المشاعر المعادية لتركيا، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتم إخراج خطابات الرئيس رجب طيب أردوغان عن سياقها الحقيقي، وتم عرضها بطريقة مجتزأة محرّفة لتقليب الرأي العام في العالم العربي.

ولا يمكن الإدعاء أن هذه الحملة كانت ردة فعل ذاتية من المجتمع العربي، إذ تم نشر الأخبار والخطابات بشكل محرّف وغير صحيح من قبل مراكز إثارة الفتن لتحفيز الكراهية في لدى الشارع العربي تجاه تركيا.

ومع ذلك، ومنذ بدء الأزمة، أوضحت تركيا بشكل جلي إنه إذا تعرضت المملكة العربية السعودية لما تتعرض له قطر، فإن الموقف التركي سيكون مشابهًا لما هو عليه اليوم مع قطر.

لقد خاطرت تركيا بالوقوف ضد الولايات المتحدة ودعم المملكة العربية السعودية بشأن قضية 11 سبتمبر وستواصل القيام بذلك.

ونظرا لحقيقة أن المملكة العربية السعودية تعرضت للظلم، فقد كان من الواضح أن الولايات المتحدة وقعت في الخطأ، وكثير من الإعلام العربي رأى أن الدعم التركي للسعودية يمثل فرصة عظيمة للعالمين الإسلامي والعربي.

من الدعايات المستخدمة ضد تركيا اليوم، وخاصةً ضد الرئيس أردوغان، هو ما قاله على قناة تلفزيونية فرنسية إن "هؤلاء غرباء بالنسبة لنا"، إذ تم الادعاء أنه كان يقصد أصحاب الفكر الوهابي، وقد قيل الكثير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، عن هذا الشأن في المملكة العربية السعودية، وبهذه الطريقة، أعطي انطباع بأن أردوغان هو في الواقع ضد التركيبة الدينية في السعودية.

إلا أن الحقيقة، هي أن أردوغان كان يتحدث عن التعصب المذهبي والطائفي، وهذا ما يكرره بشكل دائم.

وردا على الفتنه الطائفية التي تهدد العالم الإسلامي في الوقت الراهن، قال أردوغان، خلال زيارته لمركز النجف الشيعي "أنا لست سنيا أو شيعيا.. أنا مسلم"، وهو بذلك لا يعني أنه ضد السنة أو الشيعة، بل على العكس، هذا يعني أنه ضد التعصب الطائفي، والفتنة التي تحرقنا.

من المعروف عن الرئيس أردوغان الذي يترأس حاليا منظمة التعاون الإسلامي، وضوحه وموقفه الثابت من التعصب والطائفية.

وفي الواقع، فإن إيران والمملكة العربية السعودية والدول الأخرى التي تتبنى هذا الموقف ستقربنا بشكل كبير من حل العديد من المشاكل.
 



متفرقات