من الربيع العربي إلى الانقلاب في مصر | ياسين أقطاي


التاريخ : 5-7-2017 | مشاهدة: 8194


د. ياسين أقطاي | النائب عن حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي
ترجمة: أ. زينة فرحو العمري

 


قبل أربع سنوات تمامًا، وقع انقلاب عسكري اتسم بدموية ووحشية هي الأكبر في القرن الحادي والعشرين ضد الدكتور محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً في مصر، منذ أربعة آلاف عام.

وعقب الانقلاب مباشرة، تم سجن مرسي ورفاقه، على يد وزير الدفاع آنذاك السيسي، الذي كان يتلقى الدعم من الداخل والخارج.

وقتها، قامت دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية؛ بما تقومان به حالياً بالضبط ضد دولة قطر، إذ كان لهما الدور الأكبر في دعم الانقلاب في مصر.

ففي ذاك الانقلاب؛ قامت السعودية بدعم حزب النور السلفي، واليساريين، والكنيسة القبطية، والليبراليين، فضلا عن شيخ الأزهر، وقسم كبير من وسائل الإعلام المنحازة بالأصل للانقلاب من البداية.

والمتابع للملامح الأساسية لمن هم في الائتلاف الانقلابي؛ في اللغة والخطاب في تلك المرحلة يرى الكثير من الدروس الكبيرة، إذ أنه لم يمض حتى عام واحد على انتخاب الدكتور مرسي، وعلى الرغم من انه انتخب رئيسا بحصوله على 52 في المئة من الأصوات، بدأ اليساريون والليبراليون بانتقاده لعدم تقاسم السلطة مع الآخرين، وكان الغمز واللمز بأنه لم يستطع حل كل مشاكل مصر خلال 100 يوم.


أصوات بدأت تعطي الحافز اللازم للإنقلاب، وكانت الحجة التي سمعتها من الصحفيين الليبراليين واليساريين في زياراتي إلى مصر خلال إدارة الدكتور مرسي هي أن "مرسي انتخب بأصوات أشخاص غير مؤهلين"، وبعبارة أخرى؛ فتلك المقارنة هي أشبه بمقارنة "صوت الراعي ضد صوت البروفيسور".

وكانت الحركة "الافتراضية"؛ التي أعقبت البيان الخيالي ضد مرسي، دعت لتنظيم تجمع حاشد في 30 يونيو في ميدان التحرير رمز الثورة ضد حسني مبارك في 25 يناير 2011.

وكان المتأمرون في الإنقلاب؛ الذين كانوا يقوضون الأصوات "غير المؤهلة" لمرسي قد ملأوا ساحة الحرية بقطعان من "اللصوص" الذين سرقوا بصورة رسمية ومكشوفة ساحة الثورة المجيدة.
وهؤلاء "اللصوص" لم يكونوا مختلفين عن أولئك الذين كانوا يتمتعون بالحماية في تركيا أثناء أحداث حديقة غيزي.

فقام الثوار المصريون الذين فاقوا أعداد من وقفوا ضد الدكتور مرسي باستبدال ميدانهم المسروق بساحة رابعة وجميع ساحات مصر وبمقاومة سلمية كاملة؛ وكان هذا الموقف سليما تماما - وهو موقف ثوري حقيقي - فلم تكن لهم نية لتنفيذ أي من أعمال العنف. 

ولكن وللأسف؛ فإن الموقف المناهض للعنف المعلن منذ البداية جعلهم فريسة سهلة لمدبري الإنقلاب، فالمتآمرون ليست لهم قيم أو إحساس فيما يتعلق بالبشر والإنسانية.

هم أنفسهم أعطوا الإشارات الأولى عندما قاموا بقتل عشرات الأشخاص، وفتح النار على المدنيين العزل الذين كانوا يصلون أمام القصر الجمهوري في صباح أحد تلك الأيام.

وعلى الرغم من ذلك؛ فقد بدأوا بتفريق مئات الآلاف من الناس الذين واصلوا موقفهم واحتجاجاتهم في الساحات، وذلك من خلال إطلاق النار عليهم.

كما أنهم أضرموا النار في المستشفيات الميدانية التي كانت تعالج الأشخاص المصابين في الساحات وسحقوا الجثث التي تم جمعها بالجرافات الآلية.

وبينما تحدث كل هذه الأحداث التي ذكرناها، فإن ما يسمى بالعالم الديمقراطي الغربي لم يبد أي صوت أو اعتراض، ولم يظهر العالم ولو واحدا في المائة من الاهتمام مما قدمه لأحداث حديقة غيزي التي جرت في نفس الوقت بتركيا والتي تتعلق بتغيير موقع عدد قليل من الأشجار!

وفي الواقع؛ فإن هناك الكثير مما يمكن قوله وتحليله عن عدم إحساس العالم الغربي المتحضر تجاه هذه المذابح في بداية تطور الديمقراطية في العالم الإسلامي، وهذا المطلب يعتبر ذا أهمية في المقام الأول ويتعلق بمدى إخلاص وصدق الغرب في مطالبته بالديمقراطية في العالم الإسلامي.

وهذا الموقف الغربي في الواقع له دلالة حاسمة عما كان يمكن أن يحدث لو أن الإنقلاب الذي خططت له منظمة فتح الله غولن الإرهابية بعد ثلاث سنوات قد يتكلل بالنجاح.

وقد قام التحالف الدولي الذي شكل ضد الإنقلاب في مصر بنفس الأدوار في 15 يوليو 2016، حيث يلقي التحالف ضوءا كافيا على الطبيعة المتعلقة بأحداث حديقة غيزي التي استهدفت تركيا مع وقوع الإنقلاب في مصر في آن واحد.

في السنوات الأربعة التي مرت بعد الإنقلاب في مصر، وبعد كل ما حدث في ليبيا، واليمن وتونس، وكل ما جرى في تركيا بعد أحداث حديقة غيزي، خلال الفترة من 17 ديسمبر و 24 ديسمبر 2013، وفي 15 تموز/يوليو 2016 المحاولة الإنقلابية، وما تبعه بالنسبة للأزمة القطرية الحالية، اتضح لنا بما لا يدع مجالا للشك بأنها أحداثا مترابطة.

وبإلقائنا نظرة على النقطة التي تم التوصل إليها، نرى أن هناك من يقول إن الربيع العربي كان منذ البداية جزءا من الخطة أو بداية لها، ومع ذلك؛ قد يكون صحيحا أن الربيع العربي هو عملية أثارت مختلف الأحداث التي تلتها، ولكن بدايته كانت بالتأكيد تمثل صحوة للشعوب العربية المسلمة، التي تطورت بمفردها، باسم حماية شرفها وحريتها وإرادتها.

وسرعان ما أظهرت حركة الربيع العربي تأثيرا ربيعيا إيجابيا فيه، شكلت جوا من الاتحاد الذي أزال شقاق دام قرونا بين الناس، فانسحب الدكتاتوريون؛ واكتشف الناس حينها عالما حيث تكون الإرادة الحرة فيه لها قيمة وثمن.

وهذا التطور الذي حدث هو ضد العقل والمنطق – الإنقلابات - قد أتى متوافقا مع رغبات الحكام في العالم.

وبالتالي؛ فإن الموضوع الوحيد الذي يثير القلق، في اللحظة التي كانت تسير الأمور بها على خير ما يرام، أخذ الحكام الذين رسموا العالم قبل قرن من الزمان بدفعه إلى مرحلة تخريبية. 

وقد دفعوا مصر إلى هذه المرحلة، فأجهضوا الربيع العربي في سوريا وليبيا، وقاموا بجر العالم الإسلامي إلى فوضى عارمة، ولم يتمكنوا من إنشاء نظام جديد أيضا. 

فكما يبدو فإنه من المرجح أنهم لن يستطيعوا إنشاء نظام جديد على المدى القريب أو المتوسط. إنهم في الواقع يؤخرون ولادة عالم حر جديد.

فمن خلال الإنقلاب الذي دعموه في مصر، ارتكبوا أكبر خطأ في التاريخ. واليوم؛ وبسبب هذا الخطأ الكبير فقد وضعوا العالم المحيط بهم في وضع غير آمن.

وفي واقع الأمر؛ فإن كل خطوة تتخذ لإصلاح الحالة تزيد من تفاقمها، فليس من الذكاء إدارة الشرق الأوسط بأكمله بعملية انقلاب مستمرة.

أما بالنسبة لفصل الربيع، فهو موسمي وسوف يأتي مرة أخرى عندما يحين الوقت.



متفرقات