الدين والسياسة... الجدلية المتجددة


التاريخ : 10-8-2017 | مشاهدة: 6566


محمود حج علي | TurkeyNews2023

 

عند الحديث عن الأزمة المتراكة التي تحدد العلاقة بين الدين والسياسة لابد لنا من استعراض بياني للتاريخ العربي والإسلامي الذي يحدد فيما إذا كانت السياسة متعلقة بالدين أصلا ولزوما أو منفصلة عنه تعمدا واصطناعا من وجهة نظر من يدافع عن ارتباطها ببعضهما البعض، ولتحديد هذا المعيار يفترض كمنهجية علمية أن نعرف ارتباط كل منها الأساسي ونقطة الاختلاف واللقاء ينهما.


بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بدأت خلافة الصحابة الراشدة في استكمال عملي لمدرسة النبي صلى الله عليه وسلم بدون خلاف فيما إذا كان صفات الخليفة الراشدي ذو خلفية سياسية ضرورية وهم بالضرورة من مدرسة النبي العملية الدينية، وباستعراض بسيط نلحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحدد فيما لا يدع مجالا للشك أن القائد أو السياسي يجب أن يتحلى بصفات مهمة تميزه وتفضله عن غيره في إذارة شؤزن المسلمين العامة، واستمرت على هذا الحال سنوات عديدة متتالية، ومع بداية الدولة الأموية أصبحت الهوة بين الدين والسياسة تتضح مع ظهور قائد الدولة بصفته القائد السياسي الأول لهذه الدولة وأغفل عنها الجانب الديني الذي كان قد تحلى فيه الراشدون السابقون من قبل، ولأن هذه الجدلية قد ظهرت مؤخرا كان جواب ابن حنبل باتباع القوي الفاسق في موقع القيادة – وربما كان يقصد القيادة العسكرية – عندما سئل عن وجهة الاتباع في حال انتفى الأصل القائل باجتماع صاحب الدين والقوة، فأجاب ابن حنبل بل نتبع القوي الفاسق لأثرها في المجتمع وعلى المسلمين عامة، هذا السؤال يحيل للقارئ أن المتعارف عليه في أن القائد يجب أن يتمتع بخاصيتي الدين والسياسة كما سار عليه الراشدون السابقون وإلا لا معنى لسؤالهم ولا معنى للجواب.


استمرت الهوة بين الدين والسياسة في شخص القيادات الإسلامية المتلاحقة وأصبح السياسيون والقادة يعطون أنفسهم امتيازات خاصة تؤهلهم ربما للقتل والترهيب والتخويف تحت ذريعة الأمن العام مع عدم انتفاء هذه الحجة في الأصل ولكن استخدامها للإرهاب بين الناس أعطت منفذيها امتيازات من تلقاء أنفسهم وربما تعديا وظلما وذلك لأن الرادع الأساسي الذي يحدد للقائد أو السياسي صلاحياته وامتيازاته قد انتفى. 
حتى وإن كان الحديث عن القيادة العسكرية فإن أعظم المعارك الإسلامية لم تكن إلا بوجود قائد روحي يصوب قلب القائد العسكري أولا وبالتالي ينتقل الأثر إلى عناصر الجيش وذلك لأن الدافع الأساسي والمحرك الأول للشعوب هو الدين على الشعوب، ولا أدل على ذلك من معركة فتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح وشيخه آق شمس الدين الذي كان يشحذ همته ويقوي عزيمته الأمر الذي انعكس إيجابا على الجند وقتها والتاريخ مليئ بهذه الأحداث.


من هذه المتلازمة بدأ أهم وأول خلاف بين من يدعي انفصال الدين عن السياسة وبين مدعي تلازمها، فعندما يتخلى القائد العام للمسلمين عن ثوبه الديني أو عن فريضة الإلتزام الديني على أقل تقدير في مجتمع متدين مسلم فإنه انسلخ من محددات سياساته أصلا وبالتالي افتقد لمعايير تصوب وتخطئ نتائج أفعاله، وإلا فما معنى إلقاء أبناء البلد في السجون لسنين طويلة في الحبس بحجة رأيهم المعارض لسياساته حتى وإن كان بقية الشعب يعيش في رخاء اقتصادي، وذلك يعني أن المجتمع يعيش خللا واضحا وأنه ألغى أهم حق من حقوق العباد وهو حرية التعبير عن رأيهم بدون ملاحقة ولا محاسبة، وعندها انعدمت معايير تقويم وتصويب الحاكم وانتفت مرجعيته وتحول إلى رجل المصالح ناهيك عن منفعته الشخصية بالأساس، وعند انتفاء المرجعية ستصبح صلاحياته غير محدودة وبالتالي ربما يتحول الشعب فيما بعد لعبودية من يمتلك كل هذه الصلاحيات لارتباط العموم بالمحسوس غالبا، ويبدأ المجتمع بالتفسخ ابتداء من تفسخ رجل واحد وهو القائد أو السياسي أو الحاكم. ولإدراك الكثير من القيادات المصلحية خطر ارتباط الحكم بالدين يعمد هؤلاء إلى صنع رجالات من الدين يفتح لهم المجال إعلاميا ويتم دعمهم شعبويا تحت كنفه يعيشيون في مثالية الدين من غير التماس للواقع، وربما يكون رجالات الدين اولئك هم كبش فداء لخطة يرمي في نهايتها إلى كسر صورة رجل الدين عند العامة، فيتم اتهامه بالخيانة أو الانحياز لعدو وما شابهه وبذلك يضطر عموم الناس إلى تصديق الرواية الحكومية عنه وتعود الجموع إلى الركائز المصطنعة حكوميا وتستمر السيطرة على العقول حتى تصل النتيجة إلى خجل المسلم من قوله أنه مسلم ناهيك عن قوله بأنه ملتزم أو متدين.


عندما انتفت هذه الروابط والأسس الدينية في نفوس العامة وقبلهم قياداتهم بدأ البحث عن عن ثوابت وركائز ذات أهمية تربط الفرد بحالات آنية وتلامس واقعه وتبعده عن الركيزة الأولى وهي الدين، ومن هنا نشطت أفكار القومية والوطنية والأقلية والقبلية ... وغيرها من الركائز التي تتغير وتتبدل كل فترة من الزمن، وهذا ما يدفع الغرب إلى شيطنة ودعشنة كل من يتجه اتجاه العودة للركيزة الأساسية وهي الركيزة الدينية، وخلق جماعات دينية متقاتلة مختلفة في المنهج والعقيدة تكون نتاجها الدم المسلم أو المتدين عموما، وتكون المحصلة ابتعاد الشعب عن الدين بوصفه منهج حياة ودولة إلى حالة من التقليد والممارسة الشكلية له، ويكون للسياسيين المبتغى المطلوب وهو ابعاد العموم عن السياسية  بوصفها بالقذارة والكذب والخداع والنفاق ... وهو ما ما يتعارض من المحددات الدينية الأساسية، فلا مانع من صلاة طالما كانت داخل حدود المسجد، وصيام طالما داخل حدود البيت، وحج طالما أنه لم يتخط العادة والاسم. 


ولا يصح بحال من الأحوال ربط الثورة الصناعية في أوروبا ونجاحها بعد فصل الكنيسة عن الحكم وتطبيق هذا الأمر على البلاد التي تتمتع بحكم اسلامي لعقود لاعتبارات عديدة أهما اخلاف العقيدة والبيئة والأهداف، ولأن فصل الكنيسة عن الحكم كان لمشكلة في المرجعية الدينية للكنيسة وأدواتها وليس فقط لتعارض مصالح القيادات مع الكنيسة.
لابد قطعا التركيز على أن قائد الدولة ليس بالضرورة أن يكون عالما بالدين علم العلماء والقضاة ورجال الدين إنما أن تكون محددات سياساته هي الدين الذي يعتبر الطريق الأساسي الذي يجب العبور من خلاله للوصول بالدولة لبر الأمان دينيا ودنيويا.

 



متفرقات